Tuesday, February 16, 2010

لمحة سريعة عن القانون و السياسة فى أندونيس

لمحة سريعة عن القانون و السياسة فى أندونيسيا[1]

بقلم د. رفيال كعبة Dr. Rifyal Ka‘bah[2]

يرتبط القانون بالسياسة ارتباطا وثيقا فى اندونيسيا كما هو الحال فى أى دولة من دول العالم و ذلك لأن القانون كان من نتاج السياسة التى يتبعها النظام الحاكم فى البلاد حيث يتغير القانون بتغير النظام. و مع ذلك فإن هناك شيىء يربط بين الماضى والحاضر و المستقبل فى تاريخ القانون فى إندونيسيا. و قد شهدت إندونيسيا ثلاث مراحل تاريخية و هى مرحلة تقليدية قبل مجيىء المستعمرين الغربيين و المرحلة الإستعمارية بعد وصول الغربيين و المرحلة الإستقلالية بعد إعلان الإستقلال قى عام 1945. و بهذا فإن موضوع المحاضرة هو حول تطور القانون فى اندونيسيا عبر التاريخ من أيام ما قبل الإستعمار حتى عهد الإستقلال.

فترة ما قبل الاستقلال

إن النظام الملكى هو أقدم نظام حكم فى العالم و لا يستثنى هذا الوضع بنسبة لنظام الحكم فى إندونيسيا قبل مجيىء المسعتمرين الغربيين فى مطلع القرن السادس عشر الميلادى حيث يوجد مختلف الممالك الكبيرة و الصغيرة التى أصدرت الأوامر و نفذت التعليمات القانونية، وان كانت بأشكال بدائية، لضبط حركة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل هذه المملكات و هى الأوامر و التعليمات القانونية المنبثقة من القيم الحية التي يعتنقها المجتمع، و قد تعددت القيم والعقائد الدينية في الممالك الإندونيسية القديمة، فنجد أصحاب الديانات التقليدية من عباد القوى الطبيعية و يتبعها الديانة البوذية والهندوكية و تعتبر مملكة "سريويحايا" (Sriwijaya) في منطقة باليمباننج (Palembang) الحالية في إقليم سومطرة الجنوبية من أكبر الممالك البوذية و مملكة "ماجاباهيت" (Majapahit) ثم "ماتارام" (Mataram) فى جزيرة جاوا من أ كبر الممالك الهندوكية فى فترة ما قبل عهد الإستعمار الغربى. و كذلك على جانب تأثير المعتقدات المحلية على الحياة القانونية فى هذه الفترة.

وحدث تحول كبير في تاريخ تطور القانون في إندونيسيا وذلك عند دخول الإسلام إلى البلاد في القرنين الأول و الثانى الهجرى و انتشاره فى بداية القرن الحادي عشر الميلادي، وكما هو معروف أن القانون هو جزء لا يتجزأ من الدين الإسلامى، فالمسلم أينما يعيش يطلب منه العمل بأحكام دينيه، و لهذا فإن للدين الإسلامي فضل كبير في تاريخ القانون في إندونيسيا، وذلك منذ دخوله حتى يومنا هذا، و على سبيل المثال فإن معظم المصطلحات القانونية و القضائية المتداولة الحالية فى البلاد يؤخد من المصطلحات العربية الإسلامية، وفي هذا الصدد يذكر مراقب القانون الإندونيسى المعاصر السيد / Daniel S. Lev أن جزور إندونيسيا قبل اتحادها تحت ادارة الاستعمار الهولندي قد اتحدت بشكل عام تحت سيادة القوانين الإسلامية، وأن استمرار هذه القوانين حتى الآن يمكن معرفتها من خلال كتب الفقه المتداولة فى البلاد وجود المحاكم الشرعية المنتشرة في ربوع البلاد حيث لهما تاريخ طويل، و وجود المحاكم الإسلامية يعنى وجود الدولة التى طبقت القوانين الإسلامية و إن كان ذلك فى نطاق محدود حيث تم استخراج هذه القوانين من كتب الفقه التي ألفها فقهاء العالم الإسلامى بصفة عامة و الفقهاء الإندونيسيين بصفة خاصة و فى أواخر الثمانينات الميلادية تم جمع هذه القوانين فى كتاب موحد يسمى "مدونة القوانين الإسلامية" (Kompilasi Hukum Islam) و يتطبق فى المحاكم الإسلامية المنتشرة فى بقاع البلاد.

عهد الاستعمار

وقعت إندونيسيا تحت سيطرة الاستعمار الهولندي لمدة ثلاثة قرون ونصف، وتحت الحكم الإنجليزي لبضع سنوات و تحت الإحتلال الياباني لمدة ثلاث سنوات و نصف السنة.

بدأ الهولنديون باستعمار إندونيسيا بعد نجاحهم فى التجارة حيث وصلت السفن التجارية الهولندية لأول مرة من Amsterdam إلى جزيرة جاوا عام 1596 و اشتدت المنافسة بينهم مما أدت إلى تأسيس شركة الهند الشرقية الهولندية (Verenigde Oostindische Compagnie) فى20 مارس 1602م.

هذه الشركة ترأسها الهيئة الإدارية المكونة (Board of Directors) من المجلس السابع عشر (Hereen XVII)، و طبقا للمادة (35) من قانون تأسيس الشركة تمنح الحكومة الهولندية للشركة حق عقد اتفاقيات مع الملوك والسلاطين في منطقة شرق رأس الرجاء الصالح و منها اتفاقية الحرب والسلام وإقامة القلاع وإنزال العقوبات (منها الإعدام) وإنشاء المراكز التجارية وتعيين المحافظين و قواد الجيش و المسئولين و غيرها و كل هذه كانت من أجل تعزيز الأمن والاستقرار و إيجاد المناخ المناسب لنجاح الأنشطة التجارية، و من الواضح أن الشركة كانت تلعب دور الدولة حيث أصدرت التعليمات و نفذت القوانين و أقامت المحكمة و أنزلت العقوبات للمجرمين و غيرها من صلاحيات الدولة.

و فى البداية كان مدير شركة الهند الشرقية الهولندية هو أميرال، وكان كل أسطول بحري تابع له لديه هيئة عينها المجلس السابع عشر، وتعقد هذه الهيئة اجتماعاتها عند الحاجة فقط عندما طرأت أشياء هامة، مثلا إذا انتهك بعض الملاحين نظام الأسطول أو لمواجهة حركة التمرد فى السفن، وبعد أن اشتدت المنافسة بين التجار فى ممارسة أعمالهم التجارية ، قامت الحكومة الهولندية بتعيين السيد / Pieter Both محافظا عاما فى 27 نوفمبر 1609م وتأسيس مجلس الهند الشرقية، ثم قام المحافظ العام بمساعدة رئيس الشئون المالية وقسم الحسابات بتشكيل هيئة حكومية college of government، وكل من المحافظ العام و المجلس مكلف برعاية مصالح الشركة والحكومة الهولندية و تعليمات الحكومة الهولندية لعام 1609 تحدد سلطة و وظيفة المحافظ العام و المجلس لحماية الأمن والاستقرار و إقامة المجالس القضائية بشقيه المدني والجنائي طبقا لنصوص القوانين الهولندية، وفي عام 1609 تلقي المحافظ العام أمرا بإنشاء قلعة دائمة بجاكرتا.

وبناءً علي الأمر العام في عام 1617م، تكونت عضوية المجلس من 9 أشخاص حيث مهمتهم هو تقديم النصائح و الإرشادات للمحافظ العام فيما يتعلق بشئون التجارة والحرب و الحكم و المحاكم المدنية والجنائية، تمتع المحافظ العام والمجلس بحقهم فى إقامة المحاكم فى جميع القضايا وإنزال العقوبات دون فرصة مواصلة القضايا فى محكمة الاستئناف، كما يمكن للمحافظ تعيين الموظفين والعمال في جميع المزارع والسفن التابعة للشركة و إصدار القوانين و التعليمات و التوجيهات عند الحاجة.

وحتى عام 1617، تركزت السلطة الهولندية في الجزر الغنية بالبهارات، وفي عام 1618م قام المحافظ العام / Coen بإنشاء قلعة بجاكرتا دون تصريح من الحاكم المحلى، ثم بعد أن دار صراع عنيف بين السلطات المحلية والبريطانية تمكن السيد/ Coen من السيطرة علي مقاليد الأمور فى المنطقة مما أدى إلى هيمنة الهولنديين على الحياة الإقتصادية و السياسية فى جزيرة جاوا.

يمكن تقسيم فترة هيمنة الشركة الهندية الشرقية على جزر إندونيسيا إلى مرحلتين، ففى المرحلة الأولى التى استمرت حتى عام 1650م، لعبت الشركة دور التجار المغامرين (merchant adventurer) حيث النجاح أو الفشل فى التجارة يدخل فى أحد الإحتمالين نظرا لبعد المنطقة عن وطن الأم فى أوربا و الصعوبات المختلفة التى تواجههم فى الطريق و المراكز التجارية فى الشرق. و فى المرحلة الثانية أصبح هؤلاء التجار المغامرين تجارا أمراء (merchant prince) بتكوين قوات عسكرية و بناء الحصون والقلاع و بهذا تحولوا من التجار إلى الأمراء والحكام حيث لديهم سلطة فى التشريع و تطبيق القوانين و كل ذلك كان بهدف الحصول على أرباح طائلة.

منافسة هذه الشركة الهولندية مع الشركات التجارية من دول أوربية أخرى و خاصة الشركات البرتغالية و الإنجليزية جعلت هذه الشركة الهولندية تسيطر على الأراضى فى الأرخبيل، وعلي هذا قامت بالاستيلاء علي القلعة البرتغالية بأمبون (Ambon) عام 1605، وفي عام 1607م اعترف سلطان تيرناتي (Ternate) بالحماية الهولندية، وفي عام 1619م اتخذ المحافظ العام لشركة الهند الشرقية الهولندية إقليم بانتين (Banten) مركزا له، وفي عام 1641م سقطت مدينة مالقا (Malacca) فى حوزة الشركة من أيدي البرتغاليين، ٍوبذلك فإن الطريق مفتوح أمام الهولنديين للسيطرة علي مضيقى مالقا وسوندا (Sunda)، وفي عام 1645م عقدت الشركة اتفاقية مع مملكة بانتين (Banten)، وفي عام 1705م سلمت مملكة "ماتارام" (Mataram) إقليم تشيريبون(Cerebon) وبريانجان الشرقية (Priangan Timur) إلى الشركة، وبذلك امتدت السيطرة الهولندية إلى مناطق شاسعة من الأرخبيل الإندونيسي.

تنص المادة (1) من الأمر العام لعام 1632 أن الإجراءات القضائية الصحيحة تعتبر أساسا للحكم الصحيح و المنتظم. قام المحافظ العام و المجلس بمقتضى هذا الأمر بإقامة القضاء وفقا للإجراءات و القوانين المطبقة في هولندا، وتقول المادة (2) أن الإجراءات القضائية لا بد أن تتم بشكل سريع، وتذكر المادة (3) أن محاكمة الجرائم الخطيرة فى القضايا الجنائية مثل الخيانة والمؤامرات لابد من إذن خاص من المحافظ العام والمجلس.

و يمكن تقسيم عهد الإستعمار الهولندى إلى فترتين، الفترة الأولى تبدأ من أوائل القرن السابع عشر حتى عام 1840م تقريبا، والفترة الثانية تبدأ من عام 1840 حتى مجيء اليابانيين عام 1942م، و تتميز الفترة الأولى بحكم غير مباشر من الحكومة الهولندية، أي عن طريق السلطات المحلية والشركات الهولندية. كانت السيطرة الهولندية فى هذه الفترة الأولى مازالت محدودة النطاق و لم تشمل بعد كل أنحاء البلاد.

أما الفترة الثانية هى عبارة عن حكم مباشر على أساس سيادة القوانين المشروعة من قبل القوة الإستعمارية حيث وراءها قوة عسكرية و إن كانت هذه القوانين غير منبثقة من قيم المجتمع (not based on commonly accepted legal norms, but commonly realities of power).

و على هذا الأساس قامت السلطة الهولندية بتقسيم سكان البلاد إلى ثلاثة أقسام، أولا: الهولنديون والأوربيون وهم السادة، ثانيا: المواطنون المحليون العاملون في قطاع الزراعة، ثالثا: التجار المنحدرين من أصول صينية وعربية وهندية الملقبون بالأجانب الشرقيين (Foreign Orientals) القائمين بدور الوسيط بين المستعمرين والسكان الأصليين. ويمكن أن ترفع مكانة السكان المحليين إلى مكانة الصفوة الأوربية إذا ما اعتنقوا الدين المسيحى أو فى حال زواجهم بالأوروبيين، أو اختار السكان المحليون الخضوع إلى القوانيين الأوربية وفقا للقانون عام 1917م، أما المواطنون الأصليون يطبق عليهم الفقه الإسلامى وقوانين العرف من العادات و التقاليد المتبعة منذ فترة طويلة إلا إذا كانت هذه القوانين الإسلامية و العرفية تتعارض حسب قولهم مع المبادئ القضائية والأخلاقية العامة (general principles of justice and morality).

خلال الحكم الهولندي للبلاد هناك علي الأقل أربع أنواع المحاكم القضائية، وهي المحكمة الحكومية الخاصة للهولنديين و الأوربيين، المحكمة الحكومية لغير الأوربيين، و المحكمة الشرعية للمسلمين (و تنفذ قراراتها بعد موافقة المحكمة الحكومية عليها)، والمحكمة العرفية للمواطنين الأصليين، و القوانين المطبقة -- الإجرائية و غير الإجرائية -- فى هذه المحاكم هى الكتب القانونية المدونة و المقننة في عام 1848م وهي:

· كتاب القوانين المدنية (Bergerlijk Wetboek).

· كتاب القوانين التجارية (Wetboek van Koophandel).

· كتاب القوانين الإجرائية المدنية (Reglement op de Rechtvorde-ring).

· كتاب القوانين الإجرائية الجنائية (Regelement op de Strafvorde-ring).

· كتاب القوانين الجنائية (Wetboek van Strafrecht) لجميع السكان دون مراعاة جنسياتهم.

تتم عادة فصل القضايا القضائية المتعلقة بالميراث وبيع الأراضي وشرائها والنزاع في الصفقات التجارية والمسائل الأسرية وغيرها من المشاكل القانونية الخاصة بالمواطنين الأصليين باستخدام قوانين العرف، أما القضايا المتعلقة بأحكام الأسرة عند المسلمين مثل النكاح والطلاق والرجوع والإرث والهبة تتم فصلها فى المحكمة الشرعية على أساس الفقه الإسلامى، بينما القضايا الجنائية التي تورط فيها المواطنون الأصليون و غيرهم تتم فصلها فى المحكمة الحكومية باستخدام كتاب القوانين الجنائية لجميع المواطنين دون التفرقة فى الحنسيات.

عصر الاحتلال الياباني

بناء للقانون الياباني (Osamu Sirie) رقم 1 الصادر بتاريخ 7 مارس 1942 فجميع المؤسسات القضائية الهولندية لازالت سارية المفعول، إلا إذا تعارضت مع نظام الجيش الياباني، وفي مجال القضايا المدنية فالقوانين الأوربية طبقت علي الأوربيين والصينيين، بينما قوانين العرف طبقت علي السكان الأصليين، وفي هذه الفترة تمت إضافة وتعديل القوانين الجنائية بنظام الجيش الياباني، وهذه القوانين الجديدة طبقت على جميع السكان، وفي فترة الاحتلال الياباني يمكن القول أن القوانين الهولندية بصفة عامة مازالت معترف بها في البلاد.

أن وجهة نظر الجيش الياباني نحو القانون والحكم لا تختلف كثيرا عن وجهة نظر الحكومة الهولندية الإستعمارية حيث لهما سياسة عدم التدخل فى شئون العادات و التقاليد و الدين التى تمس حساسية المواطنين الأصليين خوفا منها أن يؤدى التدخل فى مثل هذه الشئون إلى الفوضى و عدم الإستقرار فى البلاد.

ومع ذلك حدث تغير هام فى نظام القضاء، بعضه راجع إلى رغبة اليابان للتخلص من النفوذ الهولندي في الحياة السياسية و البعض الآخر أسوة بنظام القضاء اليابانى الموحد، وذلك بعد الإستماع إلي نصائح خبراء القانون من الإندونيسيين، وخاصة السيد / سوفومو (Sopeomo)، و فى هذه الفترة تم تحويل مسئولى القضاء من الهولنديين إلى الإندونيسيين.

وخلال الشهور الأولى من الاحتلال الياباني توقفت أعمال المحاكم القضائية لأن الجيش الياباني قام باعتقال القضاة والمدعين الهولنديين. هذا بالإضافة إلي ظروف البلاد المضطربة و حينئذ.

وفي شهر سبتمبر 1942م قامت الحكومة العسكرية اليابانية بتشكيل لجنة لأدارة العادات والتقاليد (the Committee on Adat and Traditional Administration) والتي تتكون عضويتها من المسئولين اليابانيين والمواطنين الإندونيسيين برئاسة السيد/ K. Hayashi، ومن أهداف هذه اللجنة هو تقديم نصائح ومقترحات للحكومة حول العادات و التقاليد المتبعة فى البلاد وطبيعة المجتمع الجاوي بصفة خاصة. وأعضاء اللجنة من السكان الأصليين هم السيد / سوكارنو (Soekarno) والسيد / حتا (Hatta) والسيد/ سوكارجو (Soekardjo) والسيد/ ويرجوبرانوتو (Wirjopranoto)، والحاج/ منصور ووندوأميسينتو (Wondoamiseno). و السيد / سوبومو (Soepomo) و جايادينيغرات (Djajadingrat) (خبير في الشئون الإسلامية)، والسيد / بوباتشاراكا (Poerbatjaraka) (خبير التاريخ والحضارة الجاوية)، والسيد / منصور (من زعماء المسلمين)، والسيد/ حتا (Hatta) والحاج/ ديوانتارا (Dewantara) (من الخبراء في شئون التربية)، بينما أعضاء اللجنة من المواطنين اليابانيين هم من كبار المسئولين والدبلوماسيين والصحافيين، كان بعضهم موجودين فى إندونيسيا قبل مجيء جيش الاحتلال الياباني، و مما هو جدير بالذكر أن هؤلاء الإندونيسيين الموجودين فى هذه اللجنة يعملون من أجل إعداد البلاد للإستقلال من أيدى اليابانببن.

فترة ما بعد الاستقلال

قسم أكبر من القوانين المطبقة فى إندونيسيا بعد إعلان الإستقلال فى 17 أغسطس 1945 هو من القوانين المطبقة فى أيام الإستعمار الهولندى، و في هولندا نفسها أن القوانين التى كانت سائدة في أيام الاستعمار لازالت قائمة حتى الآن بعد أن دخلت عليها بعض التغييرات والتعديلات، و نفس الشىء جرى أيضا بالنسبة للقوانين الهولندية الإستعمارية فى إندونيسيا و إن كانت هذه التعديلات حصلت بشكل محدود. وإذا كان هناك تشابه بين القوانين الإندونيسية فى فترة ما بعد الإستقلال والقوانين الإندونيسية فى فترة الإستعمار الهولندى، لا يعني ذلك أن إندونيسيا تريد أن تحتفظ بالقوانين الاستعمارية، و السبب وراء ذلك حقيقة أهمها هو عدم تمكن إندونيسيا من إجراء التغييرات الجذرية فى قوانينها الموروثة من الأسياد المستعمرين لظروف طارئة عليها.

و وجه التشابه بين القوانين الهولندية الإستعمارية و القوانين الاندونيسية بعد الإستقلال هو أمر واقع. و على سبيل المثال فأن القوانين المتعلقة بالصفقات والعقود مازالت تقلد القوانين الهولندية، هذا بجانب أن تعديل كتاب القانون الجنائي الإندونيسي مازال يعتمد علي القانون الجنائي الهولندي، بل أن مشروع القوانين الجنائية المطروحة من قبل الحكومة ليتم بحثها في البرلمان قريبا يتأثر كثيرا بالقوانين الجنائية القديمة، ويعتبر كتاب قوانين الإجراءات الجنائية رقم 8 لعام 1981 هي أول كتاب القوانين التي أصدرتها إندونيسيا، و مع ذلك فإنه يعطى انطباعا عن تأثره من قريب أو بعيد بالقانون الجنائي الأمريكي، بل القوانين الجديدة في حقيقتها مازالت تشبه القوانين القديمة التي صاغتها الحكومة الاستعمارية الهولندية.

بغض النظر عن تلك التشابهات، فإندونيسيا بعد الاستقلال قد أصدرت بعض القوانين من نتاج مجلس النواب ومجلس الشورى الشعبي، منها قانون الأحول الشخصية و قانون عن أعمال التخريب والفساد و قانون عن الأسلحة النارية و قانون الضرائب و قانون عن المخدرات و قانون عن الهجرة و قانون المرور وغيرها، ومن جانب آخر رأي بعض المراقبين أن القوانين المتعلقة بالجرائم الاقتصادية هي ترجمة حرفية من القوانين الجنائية الاقتصادية الهولندية القديمة، و عن نظام الحكم و إدارة الدولة، قد أصدرت إندونيسيا القوانين الخاصة بمؤسسات الدولة العليا و عن مجلس الشورى الشعبي وأنظمة الانتخابات العامة وضوابط الحكم الذاتي، هذا بالإضافة إلي دستور الدولة لعام 1945 الذى تم صياغته فى عهد الإستعمار اليابانى و جرت عليه ثلاتة تعديلات حتى الآن.

تم إنشاء المحكمة الخاصة بالإدارات الحكومية في إندونيسيا في عام 1986م، وهذا بمقتضى القانون رقم 5 لعام 1986، و يقول المراقبون أن هذا القانون يتأثر بالقانون الفرنسي، كما انه لازال يعتمد علي القانون الهولندي وهو القانون الخاص بالمحكمة الإدارية فى أيام الإستعمار(De Wet Administratieve Rechtspraak Overheidsbechikkingen).

وفيما يتعلق بالقوانين الإسلامية، فمنذ تأسيس جمهورية إندونيسيا عام 1945، أنها قد أنتجت عددا من القوانين الخاصة بالمسلمين، وعلي سبيل المثال القانون رقم 1 لعام 1974 الخاص بالزواج، ، و القانون رقم 7 لعام 1989 الخاص بالمحكمة الدينية (الشرعية)، و المرسوم الجمهوري رقم 70 لعام 72/92 الذي يخص البنوك المضاربة، حيث ينص المرسوم على أن معاملات هذه البنوك يكون وفقا للشريعة الإسلامية، و القانون رقم 17 لعام 1999 الخاص بتدبير شئون الحجاج، و القانون رقم 23 لعام 1999 الخاص بالبنك المركزي الذي أمر بتشكيل بنوك إسلامية حكومية، و القانون رقم 38 لعام 1999 الخاص بتدبير شئون الزكاة، والقانون رقم 44 لعام 1999 الخاص بتنفيذ الحكم الذاتى فى إقليم أتشيه (Aceh)، كما يشمل هذا القانون قضية تطبيق الشريعة الإسلامية المنصوص عليها في القانون رقم 18 لعام 2001 في الإقليم عن طريق المحكمة الشرعية الخاصة بالإقليم.

تعليم القانون وعلوم الشريعة في إندونيسيا

إن الكلام عن القانون (الحكم في اللغة الإندونيسية) في إندونيسيا لا يمكن فصله عن الكلام عن الشريعة، بل كلمة الحكم بالذات مأخوذة من المصطلحات الشرعية. وقبل دخول المستعمرين الغربيين، كانت المصطلحات القانونية المستخدمة تدور حول الشريعة والعلوم القانونية نابعة عن التعليم في المصليات والمعاهد الإسلامية والمدارس. وفي مطلع القرن العشرين الميلادي بدأت المصادر القانونية في التنوع، بعد أن فتحت الحكومة الاستعمارية مدارس القانون على نسخة مدارس القانون الهولندي للمواطنين الأصليين. وهذان النوعان من المدارس القانونية لهما تأثير واضح في تطور التاريخ القانوني بعد استقلال إندونيسيا من الاستعمار الهولندي.

إن الجيل الأول من علماء القانون في إندونيسيا هم من خريجي المدارس الهولندية. وفي البداية كانت المدرسة القانونية أو الكلية القانونية موجودة في هولندا فقط، ثم قامت الحكومة الاستعمارية بتأسيس المدرسة القانونية في إندونيسيا، ومن بين أهدافها سدّ حاجات الدولة إلى ممارسي القانون الهولندي . وأسست هذه المدرسة في جاكرتا في 28 أكتوبر 1909م باسم : Opleidingsschool voor de Inlansche Rechtskundigen أو باختصار مدرسة القانون. وقد تخرج من هذه المدرسة حتى إغلاقها في 28 أكتوبر 1924م 189 طالبا من مجموع 500 طالب المرحلة الإعدادية و 609 طالبا من المرحلة الثانوية المسجلين في المدرسة. وهناك كثير من الخريجين الذين واصلوا دراساتهم في جامعة ليدين الهولندية بدون امتحان التأهيل . وحصل 43 طالبا على الشهادة الجامعية بلقب "ميستر" (ليسانس فى القانون) ، ثم حصل 5 منهم على شهادة الدكتوراه في القانون ، وهم رادين غوندوكوسومو(R. Gondoesoesoemo) وعليمودي إندا بومي (Alimoedi Enda Boemi) ورادين كوسوما أتماجا (R. Koesoema Atmadja) وسوبروتو (Soebroto) ورادين سوبومو (R. Soepomo).

ومدرسة القانون تمثل إحدى المدارس الخاصة حيث إن طلابها جاءوا من أسر الطبقة العالية والمحترفين مثل الأطباء وغيرهم، و كان عليهم الانضباط بالنظام الصارم، وللمدرسة سكن خاص للطلاب والمدرسون من خريجي جامعة ليدين الهولندية (ما عدا مدرسي اللغة الإندونيسية). وتبين من سجل المقبولين في الأعوام الدراسية 1910/1911م حتى 1920/1921م أن 72.8 % من الطلاب جاءوا من شعب جاوا، و 14.9 % من شعب سوندا، و11.1 من شعب سومطرا (وأغلبهم من سومطرا الغربية).

وبعد إغلاق هذه المدرسة، أسست الحكومة الاستعمارية المعهد العالي للقانوني في 28 أكتوبر 1924م وقام بافتتاحه المحافظ العام الهولندي د. فوك، ودام هذا المعهد 16 عاما، وقام خلالها بتعليم نحو 1200-1300 طالب ونصفهم من المواطنين الإندونيسيين، ويمثل المعهد نواة لكلية القانون بجامعة إندونيسيا الحكومية الحالية.

كما أصبح هذا المعهد العالي للقانوني الذي أسسته الحكومة الاستعمارية نموذجًا لكليات القانون التي أنشئت فيما بعد. فإن المناهج الدراسية بصفة عامة في كليات القانون الموجودة في إندونيسيا حتى اليوم لا تكاد تتغير من المناهج الدراسية التي أعدتها الحكومة الاستعمارية الهولندية. ولهذه الحالة علاقة مع استمرارية القانون في إندونيسيا التي تعمل بها حكومة جمهورية إندونيسيا. فعندما أعلنت إندونيسيا استقلالها في عام 1945م ، نظريا فإن القانون الهولندي لم يعد يسري في الولاية التي كانت تستعمرها، ولكن واقعيا لا يزال هذا القانون ساريًا ، بالرغم من تولي الشعب الإندونيسي مقاليد الحكم في البلاد بدلا من الهولنديين . ولكن القانون لم يتغير بعدُ ما عدا الدستور 1945م الذي تم إعداده في ظروف اضطرارية ، وهو من المنتجات القانونية الإندونيسية. وجميع القوانين السارية بعد إعلان استقلال إندونيسيا في 17 أغسطس 1945م سواء كان القانون المدني أو القانون الجنائي أو الإجراء القانوني أو غيرها، وذلك استمرارا للقوانين السارية في ولاية إدارة الحكم الهولندي. وينص الفصل الثاني من الفصول الإنتقالية للدستور 1945م على أن جميع الهيئات والقوانين الموجودة سارية طالما لم يتم تبديلها بالهيئات والقوانين الجديدة، طبقًا لهذا الدستور.

وقالت إحدى الباحثات الهولنديات أنه لا تزال في (هيئة قوانين الدولة) حتى الآن نحو 400 وثيقة قانونية من منتجات الحكومة الاستعمارية الهولندية التي لم تقم الحكومة الإندونيسية بترجمتها، أو تعديلها أو إلغائها.

وبعد أن عم الاستقرار في البلاد ، قامت إندونيسيا بتقنين قوانينها المستقلة، بالرغم من أن القائمين بتخطيط وإعداد هذه القوانين لم يتخلصوا نهائيًا من نظرة القوانين الهولندية.

ومن ناحية أخرى، فإن كليات الشريعة بالجامعات الإسلامية الحكومية وكليات الشريعة في الجامعات الأخرى ظهرت في عصر الجمهورية الإندونيسية. وأسست قبل كليات الشريعة بالجامعات الإسلامية المعهد التربوى الحكومي للقانون الإسلامى والمعهد الحكومي للقضاة الإسلاميين والمعهد العالي الإسلامي الحكومي، وتمثل هذه المعاهد نواة للجامعات الإسلامية الحكومية الحالية. ولهذه الكليات والمعاهد جذور قوية في تاريخ التعليم الإسلامي في إندونيسيا عن طريق التعليم في المصليات (المساجد) والمعاهد الدينية والمدارس الإسلامية. ففي هذه المؤسسات التعليمية يمثل الفقه أحد المواد الدراسية الهامة، حيث لا توجد هناك مؤسسة من هذه المؤسسات التعليمية التي لا تقوم بتعليم طلابها مادة الفقه. ففي المرحلة الابتدائية يتم تعليم الأحكام المرتبطة بالطهارة (الوضوء والتيمم والاغتسال وغيرها) والعبادات اليومية. وفي المرحلة المتوسطة يتم تعليم أحكام النكاح وفي المرحلة العليا من التعليم الإسلامي تدرس فيها أحكام الإرث والهبة والعقود التجارية والزراعة وتربية المواشي والمسائل الفقهية الأخرى. والكتب المستعملة فيها هي الكتب الشافعية وفروعها على وجه العموم ، سواء كانت من مؤلفات الفقهاء العرب أو الهنود أو الإندونيسيين أنفسهم. والموضوعات الفقهية التي تبحث في المؤسسات التعليمية الإسلامية في إندونيسيا لا تختلف كثيرا عما تبحث في البلاد الأخرى من العالم الإسلامي.

وكانت كلية الشريعة في إندونيسيا في البداية على شكل كليات الشريعة الموجودة في بلاد الشرق الأوسط وخاصة كلية الشريعة في مصر بجامعة الأزهر. فكلية الشريعة في الأزهر لها شكلان ، كلية الشريعة المحضة وكلية الشريعة والقانون . وأما كلية الشريعة في إندونيسيا فقد تطورت من الشكل الأول. ولذلك تتولى تعليم القانون منذ البداية كليات القانون خارج عن الجامعات الإسلامية الحكومية. وحاليا وبعد أن تتكامل الأحكام الإسلامية مع القانون الوطني نشعر بحاجة ماسة إلى ضرورة تطوير كلية الشريعة لتصبح كلية الشريعة والقانون.

وقرار الحكومة بتأسيس كليات الشريعة في الجامعات الإسلامية الحكومية ليس بصدفة فجائية وإنما للمحافظة على استمرارية التقاليد الموروثة في تاريخ الشعب الإندونيسي. فميثاق جاكرتا الذي يمثل خطة أصلية لمقدمة الدستور 1945 ينص على أهمية الشريعة الإسلامية في الدستور الإندونيسي. وينص الميثاق في سبع كلمات (وتم محو هذه الكلمات من الدستور لأسباب غير واضحة) على أن الدولة تقوم على أساس الإيمان بالله "مع وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية على معتنقي الإسلام" . ومهما كان الجدال في مسألة محو هذه الكلمات السبع فإن إعلان رئيس الجمهورية في 5 يوليو 1959م بأن ميثاق جاكرتا بتاريخ 22 يونيو 1945م يكون روحا للدستور 1945 ويكون جزءا لا يتجزأ من الدستور الإندونيسي. وبعبارة أخرى إن ميثاق جاكرتا غير مكتوب في الدستور الإندونيسي، ولكنه موجود و روحا وجزءا غير منفصل عن الدستور.

وهذا الدستور هو أساس تشكيل وزارة الشؤون الدينية وتأسيس المعهد الحكومي للقضاة الإسلاميين ومعهد معلمي القضاة الإسلاميين الحكومي وكليات الشريعة بالجامعات الإسلامية الحكومية والهيئات الأخرى المرتبطة بالأحكام الإسلامية في إندونيسيا. وبصدور القانون رقم 7/1989 بشأن المحكمة الدينية (الشرعية) ، فإن الأحكام الإسلامية مطبقة في إندونيسيا في نطاق القانون الوطني في مجالات النكاح والوراثة والوصية والأوقاف والصدقات . وبصدور القانون رقم 7/1992م بشأن البنوك وقرار الحكومة رقم 72/1992م وقانون بنك إندونيسيا المركزي رقم 23/1999م ، فإن الأحكام الإسلامية بشأن البنوك مطبقة أيضا في إندونيسيا. وقد قام البرلمان الإندونيسي باعتماد قانون الحج وقانون الزكاة . وبناء على ذلك فإن الكلام عن الأحكام الإسلامية له أهمية كبيرة فيما يتعلق بالقوانين الوطنية الإندونيسية.

ومهما كانت التطورات التي حدثت في القانون الإسلامي في إندونيسيا، فما زالت دراسة القانون وتطويره في هذا البلد تتصف بالازدواجية . فمن ناحية هناك مدارس وكليات القانون التابعة لوزارة التربية الوطنية ومن ناحية أخرى هناك مدارس وكليات الشريعة التابعة لوزارة الشؤون الدينية.

خطوة جديدة

والحقيقة على الورق أن هناك مساعي تبذل لمحو هذه الازدواجية في مجال القانون والعلوم الأخرى عن طريق ما يسمى في إندونيسيا بـ (أسلمة المعرفة) أو ما يسمى بـ (الإسلام لنظام العلم / المعرفة).

والإسلام كالدين والعلوم والقوانين أو الأحكام يمثل موضوعا جديدا نسبيا في تاريخ التراث العلمي في التقاليد الغربية، حيث تم فصل العلوم عن الدين والدين عن القانون منذ عهد بعيد فيها . واجتاحت الموجات من المادية والعلمانية على العلوم والمعرفة منذ القرن الثامن عشر أو التاسع عشر وأدت إلى زيادة المسافة الفاصلة بين هذه المجالات. وتقدمت الدول الغربية الرائدة في فصل العلوم عن الدين وفصل الدين عن القانون تقدما باهرا في مجال العلوم والمعرفة، بينما الدول الإسلامية التي تتبع التقاليد الغربية لا تزال بعيدة عن وصولها إلى التقدم كما تأمله. فإن الدول الإسلامية لا تقوم إلا بتعديلات بسيطة طبقا لأوضاعها المحلية ولا تقوم بإبداع نموذج مستقل مطابق أو يتناسب مع رؤيتها في الحياة وتاريخ الأمة الإسلامية.

ومنذ عقدين أو ثلاثة عقود أي قبيل حلول القرن الخامس عشر الهجري ، قام المثقفون المسلمون من أنحاء العالم الذين يشعرون بآثار الفصل بين العلم والدين، قاموا بريادة لفتح طريق جديد في تاريخ العلم والمعرفة. والمشكلة العظيمة التي يشعرون بها هي التناقض بين المعتقدات الدينية التي يتبعونها وبين التقاليد التي ورثوها من الدراسة الإسلامية التقليدية من جهة ومع العلوم التي درسوها على التقاليد الغربية من جهة أخرى. إنهم يرون أن لهذا التناقض علاقة بتأخّر الأمة الإسلامية في المجالات المختلفة. وجوهر هذا التناقض أن الفلسفة والمثالية و المنهجية وطريقة العلوم الموروثة من التقاليد الأجنبية متعارضة مع التقاليد الإسلامية. وهذا ما يسمى بأسلمة المعرفة أو إسلاميات المعرفة، وفي إندونيسيا يسمى (الإسلام لنظام العلم / المعرفة).

وفي نهاية السبعينات من القرن العشرين أصدرت وزارة الشؤون الدينية بعض الكتب المقررة للجامعات العامة في إندونيسيا تحت عنوان (الإسلام لنظام العلم / المعرفة). ولكن بعد مضي أكثر من عقدين حتى الآن لم تتم بعد إعادة النظر فى هذه الكتب المقررة أو تعديلها. بينما في نهاية عام 1995م انتشر نبأ في وسائل الإعلام بأن (الجامعات الإسلامية الحكومية ذات الكليات الدينية) سيتم تحويلها تدريجيا الى (الجامعات الإسلامية الحكومية ذات الكليات الدينية و العامة). و ماعدا القوانين فإن الطريقة المناسبة لتوحيد القانونين اللذين يختلفان في الخلفية هي عن طريق المؤسسات التربوية.

وتطوير المناهج الدراسية في كلية القانون وكلية الشريعة لا يمثل مطلبا من التاريخ وثقافة القانون الشعبية التي كانت أغلبيتها من المسلمين فحسب، بل في إطار تطبيق القوانين الإسلامية التي ظهرت منذ استقلال إندونيسيا والتوقع للتطورات التي ستحدث مستقبلا. فالحكم الذاتي في أشيه مثلا يحتاج إلى استيعاب وتعميق العلوم الجنائية والمدنية والمرافعات والقضاء الإسلامي. والتطورات الأخرى في أشيه التي حدثت في الآونة الأخيرة ( يونيو 2001م ) قد تم تأسيس هيئة الشورى لعلماء أشيه التي تحل محل مجلس العلماء الإندونيسي فرع أشيه الذي تم الإعلان بحله. وتقوم الهيئة كمرشِّح للمنتجات القانونية في أشيه مستقبلا حتى تعبر الهيئة أكثر عن القانون الإسلامي. وما يتعلق بالقانون الجنائي في إندونيسيا خاصة فإنه يحتاج أيضا إلى إعداد كتاب جديد للقوانين الجنائية يحل محل كتاب القوانين الجنائية القديم الموروث من الاستعمار الهولندي. والقوانين المتعلقة بالبنوك الشرعية تحتاج أيضا إلى استيعاب القوانين الاقتصادية والمالية الإسلامية. كما نشعر أيضا بنفس الحاجة فيما يتعلق بقوانين الحج والزكاة. والمجال الآخر من القانون الاقتصادي الذي يجب إدخالها في مناهج الجامعات هو قانون الأوقاف والمؤسسات الإسلامية. في المستقبل ستكون القائمة بالأولويات لأجزاء المناهج الدراسية للقانون الإسلامي المطلوب إدخالها ضمن مناهج كلية الشريعة أو القانون أطول.

وقد قامت بعض الجامعات الأهلية بمساعي محدودة في مجال أسلمة المعرفة بما فيها علم القانون. وجامعة (يارسي) في جاكرتا قامت منذ زمن طويل بتعليم نظام أسلمة العلم / المعرفة لطلاب المرحلة النهائية من كلياتها. كما ألزمت الجامعة على طلاب المرحلة الجامعية النهائية بإعداد الرسالة التي تربط بين الإسلام والعلوم المعينة مثل الطب والقانون والاقتصاد والهندسة. وإذا نظرنا إلى الرسائل المقدمة لهذه الجامعة نجد أن الموضوعات المدروسة كثيرا ما تتعلق بالقانون. والمشكلة التي نشعر بها حاليا ماعدا الوقت المخصص للمناهج الإسلامية هي القلة في المصادر البشرية من المدرسين المتوفرين في هذا المجال.

وفي الآونة الأخيرة خططت جامعة باندونج الإسلامية (يونيسبا) لضم كلية الشريعة وكلية القانون سعياً منها لتقليل ازدواجية القانون في إندونيسيا. بينما تلقت الجامعة ضغوطا إدارية لتوحيد الكليات التقليدية مثل الشريعة وأصول الدين والأدب لتكون كلية العلوم الإسلامية، حتى يكون مجال تطوير المناهج الإسلامية أضيق. وهذه مجرد خطوة أولى. وما زال الطريق طويلا للوصول إلى المناهج المثالية.

وفي توقعات لما يحدث حاليا أو مستقبلا فإنه ينبغي أن يحظى هذان النوعان من التعليم بمكان واضح لصالح القانون الوطني الإندونيسي النامي في الثقافة القانونية والعدالة الاجتماعية. ومن المنافذ التي يمكننا أن نسلكها تعريف المنهج الدراسي الموحد الذي يدرس علم القانون وعلم الشريعة جنبا إلى جنب ورفع مستوى التعاون الجيد بين كليات القانون وكليات الشريعة.

خاتمة

إن القانون المطبق فى البلاد منذ البداية كان من أصل القانون الهولندى الذى استعمر البلاد أكثر من ثلاثة قرون وقبل وصول المستعمرين الغربيين كان يعتمد الإندونيسيين على قوانين العرف و الشريعة الإسلامية و عندما نال الإندونيسيون إستقلالهم القومى بدأوا بتنشئة قانونهم الوطنى المنبثق من قيمهم الحية فى داخل المجتمع. و مع صدور القوانين الجديدة فى عهد ما بعد استقلال البلاد فإن مراقبى القانون الإندونيسى يتفقون على أن القانون القومى الإندونيسى يتكون من ثلاثة عناصر و هى عنصر عرفى من العادات و التقاليد و عنصر إسلامى من الفقه الإسلامى و عنصر غربى من تقنينات أيام الإستعمار. سوف تتسابق و تتعاون و تتغلب هذه العناصر فى تشكيل القانون القومى الإندونيسى فى المستقبل.

بعض المراجع:

Ball, John, Indonesian Legal History: 1602-1848. Sydney: Oughtershaw Press, 1982.

-----------, Indonesian Law at the Crossroad. Sydney: Oughtershaw Press, 1996.

Gautama, Sudargo & Hornick, Robert N, An Introduction to Indonesian Law: Unity in Diversity, Alumni, Bandung, 1974.

Hooker, MB, Legal Pluralism: An Introduction to Colonial and Neo-Colonial Law, Clarendon, Oxford, 1975.

Ka‘bah, Rifyal, Hukum Islam di Indonesia. Jakarta: Universitas Yarsi, 1999.

Lev, Daniel S, Islamic Courts in Indonesia. Berkeley, Los Angeles, London: Univ. of California Press, 1972

-------------------, 'Judicial Institutions and Legal Culture in Indonesia' in Holt, C (ed), Culture and Politics in Indonesia, Cornell University Press, Ithaca and London, 1972.

Lindsey, Timothy, Indonesia: Law and Society. Annandale, NSW: The Federation Press, 1999.

Ricklefs, MC, A History of Modern Indonesia, 2nd ed, Macmillan, Houndmills and London, 1993.

Soekanto, Soerjono, Pengantar Sejarah Hukum. Bandung: Alumni, 1983.

Supompo, S, et. al., Sejarah Politik Hukum Adat 1609-1848. Jakarta: Djambatan, 1950.

--------------------------, Sejarah Politik Hukum Adat 1848-1928. Jakarta: Djambatan, 1954.

Tanter, Richard, 'The Totalitarian Ambition: Intelligence Organisations in the Indonesian State' in Budiman, A (ed), State and Civil Society in Indonesia, Monash Papers on Southeast Asia No 22, Melbourne: 1990.

Termoshuizen, Marjanne, Kamus Hukum Belanda-Indonesia. Jakarta: Penerbit Djambatan, 1999.

Thalib, Sayuti, Receptio A Contrario: Hubungan Hukum Adat dengan Hukum Islam. Jakarta: Academica, 1980.

Wignjosoebroto, Soetandyo, Dari Hukum Kolonial Ke Hukum Nasional. Jakarta: PT RajaGrafindo Persada, 1995.



[1] محاضرة عامة فى جامعة بغداد (الجمهورية العراقية) فى 24 ديسمبر 2001.

[2] (قاضى فى المحكمة الأعلى للجمهورية الإندونيسية/Justice at the Supreme Court of the Republic of Indonesia)

No comments:

Post a Comment